أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
173
التوحيد
ثم الأصل أن مذهب الثنوية والمجوس في صرف خلق العالم إلى اثنين ، وأن يوافقوا أهل التوحيد على أن الإله الحكيم الحق الذي لم يجز ولا يجوز واحد عليم قدير ، فمن أربى عليهم حتى جعل خلق العالم لمن لا يحصى عددهم ، وأبطلوا أن يكون للإله الذي قال الخلق بألوهيته قدرة خلق أكثر العالم ، فهم أحق بالذمّ ممن نزهوه عن الشرور والقبائح ، ولا قوة إلّا باللّه . ومما يقولون في فعل العباد مما فيه قبح الإضافة إلى اللّه تعالى في خلق ذلك من أن فيها فواحش ومناكير ونحو ذلك فيه مثل ذلك للثنوية والمجوس في الجواهر أن فيها قبائح وخبائث وأقذارا وأنتانا ، ومع ما إضافة تلك الأشياء إلى اللّه ، فليست هي عند التفسير بأن اللّه تعالى خلقها قبائح وفواحش من مرتكبيها ، مخالفة للمحاسن والمصالح من أفعالهم بأقبح ممن يقولوا : هو رب الأقذار وإله الخزي والنكال ، وملك الشياطين والفجّار ، ثم لم يمنع القول بتحقيق الربوبية له على كل شيء والإلهية ، وإن كان على التفسير في الإضافة من الوجه الذي بينا قبيح سمج ، فمثله جميع ما عليه وصف أفعال الخلق ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم نذكر ما تعلق به هذه الفرقة التي ظنت أنهم فرسان الكلام ، وأنهم المخصوصون في العلم به من بين الأنام ؛ ليعلموا بذلك جرأتهم في الدعوى وبعدهم عند التحصيل عن احتمال اسم عوام أهله ، فضلا عن مجاوزة أخطاء حذاقهم ، ونظهر إن شاء اللّه تعالى لمن تأمل ما ذكرت عدولهم عما توجبه حقيقة النظر ، ونبيّن ما استتروا به من الآيات ليعلم أنهم لو دققوا على طرف منها لنالوا خير الدارين ، فضلا من أن يظفروا بحقيقتها ، ولا قوة إلّا باللّه . فاحتج من يأبى القول به في خلق الأفعال : أول شيء أنهم أمروا بها ونهوا عنها ، وذكروا الآيات في الأمر بها والنهي ولو جعلناها خلقا له لكان يصير كأنه أمر نفسه ونهي عن خلق ذلك . قال الفقيه رحمه اللّه : فيقال لمن احتج به : أتقول أمر العبد بخلق الإيمان ونحوه ، ونهى عن خلق الكفر ونحوه ؟ فإن قال : بلى ، صرّح بأن اللّه تعالى أمر الناس أن يكونوا خالقين ، وقد أبى المسلمون أن يكون غيره خالقا . ولم يختلف المسلمون في جواز عبادة الخالق مطلقا ، وأن الخالق هو الرب وهو الإله ، فيجب بهذا جعل كل عبد كذلك ، وذلك مما أباه الجميع . وإن قال : لا ، قيل ؛ فإذ لم يوجب الأمر بالفعل والنهي عنه أمرا بالخلق ونهيا عنه لم قلت إنه لو كان اللّه خالق ذلك يوجب الأمر له والنهي عنه ، ولم يثبت من الوجه الذي فيه الأمر والنهي أمرا بالخلق وغيره ؟